د. أمجد فريد : الثورة صناعة شعب… والحرب محاولة لابتلاع الدولة السودانية*
د. أمجد فريد : الثورة صناعة شعب... والحرب محاولة لابتلاع الدولة السودانية*

*د. أمجد فريد : الثورة صناعة شعب… والحرب محاولة لابتلاع الدولة السودانية*
منازل نمر ✍🏻
وسط حرب تهدد كيان الدولة السودانية، يقدّم د. أمجد فريد شهادة سياسية من داخل التجربة، تتتبع مسار ثورة ديسمبر، وتكشف أخطاء الفترة الانتقالية، وتحدد جذور الحرب باعتبارها محاولة لابتلاع الدولة، مؤكدة أن إنهاء المليشيات وحماية السيادة الوطنية شرط لأي سلام حقيقي.
في لحظة وطنية مثقلة بالأسئلة، ومشحونة بالدم والألم والانقسام، يأتي هذا اللقاء مع الدكتور أمجد فريد، المدير التنفيذي لمركز فكرة للدراسات والتنمية، والمستشار الأسبق لرئيس الوزراء، ليضع أمام الرأي العام شهادة سياسية وتاريخية من داخل الحدث، لا من خارجه. شهادة تحاول أن تفكك مسار الثورة، وأخطاء الانتقال، وجذور الحرب، دون مواربة أو مساومة على الدولة السودانية وسيادتها.
*امتداد تاريخي للنضال النقابي*
قال د. أمجد فريد نشأة تجمع المهنيين السودانيين بوصفه امتدادًا طبيعيًا لتاريخ الحركة النقابية السودانية، من جبهة الهيئات في ثورة أكتوبر 1964، إلى التجمع النقابي في أبريل 1985.
ويؤكد أن فكرة التجمع لم تكن اختراعًا معزولًا، بل جاءت نتيجة تراكم نضالي طويل بعد عقود من الاستبداد، خاصة عقب انتفاضة سبتمبر 2013، التي واجهها نظام البشير بقمع دموي وظهور مليشيا الدعم السريع كأداة قتل في الشارع.
تكوّن التجمع في بداياته من نقابة الأطباء الشرعية ولجنة المعلمين، ثم توسع لاحقًا ليضم أكثر من 22 تنظيمًا مهنيًا، قبل أن يستعيد زخمه في 2018، ويمسك بلحظة الثورة التاريخية.
*من مطلب الأجور إلى شعار إسقاط النظام*
يوضح فريد أن الشرارة الأولى لثورة ديسمبر كانت مطلبية، تتعلق بالحد الأدنى للأجور وتحسين المعيشة، عبر مذكرة كان مقرّرًا تسليمها للبرلمان في 19 ديسمبر 2018.
لكن الشارع سبق التنظيم، كما يحدث دائمًا في الثورات، فانفجرت المظاهرات في عطبرة ومدن أخرى، وأُحرقت مقار المؤتمر الوطني، ليتحوّل الشعار تلقائيًا إلى: إسقاط النظام.
هنا، لم يعد تجمع المهنيين قائدًا منفردًا، بل أصبح جزءًا من موجة شعبية جارفة، قادت إلى توقيع ميثاق الحرية والتغيير في 1 يناير 2019، باعتباره تحالفًا لإسقاط نظام البشير، لا لإدارة دولة بديلة من الخارج.
*الثورة السودانية: صناعة شعب لا مؤامرة خارجية*
يرفض د. أمجد فريد بشكل قاطع الروايات التي تنسب الثورة السودانية إلى دعم خارجي، سواء من الإمارات أو الغرب أو غيرهم، ويصفها بأنها محاولات لتزييف الوعي وتبرئة أطراف متورطة.
ويكشف، بالأرقام والتواريخ، أن الإمارات كانت آخر دولة دعمت نظام البشير ماليًا، عبر مبلغ 300 مليون دولار في مارس 2019، أي قبل سقوطه بأسابيع.
كما يقر بوجود محاولات إماراتية لاحقة للتأثير على المشهد، عبر عروض سياسية مرفوضة تضمنت حل الجيش السوداني واستبداله بمليشيا الدعم السريع، وهي عروض رفضتها قوى وطنية، لكنها كشفت مبكرًا طبيعة التدخل الخارجي وأهدافه.
*الفترة الانتقالية: تعدد مراكز القرار وأزمة الفهم*
من داخل تجربته كمستشار لرئيس الوزراء، يقدم فريد نقدًا ذاتيًا واضحًا للفترة الانتقالية، محددًا مكمن الخلل الأساسي في:تعدد مراكز اتخاذ القرار
اختراع مفهوم “الحاضنة السياسية”
تدخل القوى السياسية في مهام تنفيذية
غياب الفهم الصحيح لطبيعة الفترة الانتقالية كـ فترة مهام لا سلطة
ويشير إلى أن لجنة تفكيك التمكين، ومجلس شركاء الحكم، كانت نماذج لتجاوز الجهاز التنفيذي، ما أضعف الدولة وفتح الباب للفوضى السياسية والتشاكس داخل الحكومة نفسها.
*الإصلاح الاقتصادي: القرار الصحيح في التوقيت الخطأ*
يعترف فريد بأن الإصلاح الاقتصادي الذي طُبق لاحقًا كان في جوهره صحيحًا، لكنه جاء متأخرًا، بعد تعطيل طويل فرضته حسابات سياسية، ما جعل كلفته الاجتماعية أكبر، وأضاع فرصة امتصاص الصدمة في وقت مبكر.
*الحرب: توصيف واضح بلا تزيين*
في توصيفه للحرب، يبتعد د. أمجد فريد عن اللغة الرمادية، ويقولها بوضوح:
هذه حرب سيئة، يقتل فيها الناس، وتنهب الممتلكات، وتغتصب النساء، وتشرد الأسر.
لكنه يحدد جذورها السياسية والعسكرية بوضوح أكبر:
الحرب اندلعت نتيجة محاولة انقلابية من مليشيا الدعم السريع لابتلاع الدولة السودانية، بعد سنوات من التمدد السياسي والاقتصادي والعسكري، بدعم خارجي مباشر.
ويؤكد أن لا سلام حقيقي دون إنهاء الوجود المؤسسي للدعم السريع، وإصلاح جذري للمؤسسة العسكرية باعتبارها الجهة التي تحتكر العنف الشرعي وتحمي الدولة.
*السيادة أولًا: لا سلام بإعادة إنتاج الأزمة*
يحذر فريد من أي عملية سياسية تتجاوز أولوية إنهاء الحرب، أو تحاول القفز فوق الجرائم، أو تمنح المليشيا مستقبلًا سياسيًا.
ويشدد على أن التفاوض ممكن، لكن دون التفريط في السيادة أو دماء السودانيين، ودون الخضوع لأجندات خارجية، وعلى رأسها الدور الإماراتي الذي وصفه بأنه عامل تدمير مباشر للبنية التحتية والحياة المدنية.



