
لا سلام داخليا دون حدود خارجية
فائز عبدالله يكتب
لا سلام داخليا دون حدود خارجية يظن كثيرون أنّ السلام النفسي وليد العزلة، وأنّ الطمأنينة تُبنى في الداخل بمعزل عمّا يحيط بالإنسان من علاقات وحدود. لكن الحقيقة أعمق من ذلك ، فالنفس ليست جزيرة منعزلة، بل هي كيانٌ يتشكّل ويتوازن بقدر ما يُحيط به من حدودٍ واضحة تفصل بين ما هو له وما هو لغيره.
الحدود الخارجية ليست جدرانًا تُقيم القطيعة، بل خطوطٌ تحفظ للإنسان كرامته وحقّه في أن يقول “لا” حين يلزم، وأن يمنح “نعم” حين يشاء دون إكراه.
من يفتقر إلى هذه الحدود يجد نفسه مستباح الوقت والجهد والمشاعر، يُستنزَف في علاقاتٍ لا توازن فيها، حتى يغدو داخله ساحة اضطرابٍ لا استقرار.
حين يفرّط المرء في حدوده إرضاءً للآخرين أو خوفًا من رفضهم، فإنّه يخون سلامه الداخلي قبل أن يخون علاقته بهم ،إذ تتكدّس فيه المشاعر المكبوتة، فيتحوّل الهدوء الظاهر إلى عاصفةٍ كامنة تنتظر لحظة الانفجار.
إنّ رسم الحدود فعل احترامٍ للذات قبل أن يكون فعل تعاملٍ مع الغير. فحين يعرف الإنسان أين تنتهي مسؤوليته وأين تبدأ مسؤولية سواه، يتحرّر من عبء ما ليس له، ويفرغ لنفسه مساحةً كافية ليعيش فيها سلامه الخاص.
هكذا يصبح السلام الداخلي ثمرة طبيعية لحدودٍ خارجية واضحة، لا نقيضًا لها ولا بديلًا عنها.
فالسلام الحقيقي لا يُصان بالانغلاق على الذات، بل بالوعي الدقيق لحدودها، فمن عرف حدوده عرف طريقه إلى طمأنينته.



