آراء ومقالات

ادم ابكر عيسي ✍️ على ضفاف النيل: لاجئون بلا أوراق، وكرامة بلا حدود”

ادم ابكر عيسي ✍️ على ضفاف النيل: لاجئون بلا أوراق، وكرامة بلا حدود"

“على ضفاف النيل: لاجئون بلا أوراق، وكرامة بلا حدود”

ادم ابكر عيسي ✍️

في فجر الخامس عشر من أبريل عام 2023، انفجر صمت السماء السودانية على وقع دويّ لم تعهده أرصفة الحلم والاستقرار. لم تكن مجرد معارك عابرة، بل كانت حرباً فرضت نفسها بقسوة، فحولت بيوت الذكريات إلى ركام، ومزقت نسيج الأمان، وألقت بشعب بكامله في قلب عاصفة من الفوضى. لقد صار الوطن، الذي كان ملاذاً، ساحةً لكل أشكال الريح العاتية: سياسياً، وأمنياً، واقتصادياً.

هرب الناس من تحت النار، تاركين وراءهم عرائس الذكريات ومصادر الرزق، تاركين جدراناً تحمل همسات الأجداد، تاركين كل شيء إلا القلق على الأنفاس. فاندفعوا كسيل إنساني، داخلياً يحملون الوطن في قلوبهم، وخارجياً يحملون الجراح على ظهورهم. وكانت مصر، الشقيقة الحاضنة على ضفة النهر نفسه، حاضنةً لهم بقلبها الواسع. فتحت أبوابها، ليس كدولة تستقبل رقماً، بل كأم تحتضن أبناء جاراتها في محنتهم. وتكررت كلمة “ضيوف”، نطق بها الرئيس السيسي، لترسم إطاراً للعلاقة مبنياً على الكرامة والتاريخ المتشابك منذ فجر الزمن.

لكن ثقل المحنة لا يخلو من شوك. فالكثيرون عبروا الحدود ومعهم همّ البقاء، لكن دون أوراق تثبت هوياتهم الممزقة. وجدوا أنفسهم في عالم معقد: إقامة بلا مستندات، ومستندات بتكاليف باهظة، وأبناء في الخارج يحملون همّ إعالة الأهل بينما تشتت الشمل. إنها معاناة مركبة، تختلط فيها حلاوة النجاة بمرارة الغربة والتيه القانوني.

وفي خضم هذه الموجة الإنسانية الهائلة، ظهرت – كظل طبيعي لكل أزمة – سلوكيات شاذة من قلّة، استغلت ضبابية الوضع، فتجرأت على خرق القانون وإثارة الفوضى، ملوثين بسلوكهم سمعة غالبيّة صامتة تكابد باحتمال وكرامة. وهنا تتجلى الحكمة: أن تكون يد العدالة حازمة مع هؤلاء، رادعة لهم، دون أن تعمّق جراح الأبرياء أو تمسّ تلك الغالبية الساحقة من اللاجئين المسجلين الذين فروا بحياتهم فقط، والذين يجب أن يظلّ حقهم في الأمان وحمايتهم من الترحيل إلى الجحيم الذي هربوا منه مبدأً مقدساً.

إزاء هذا المشهد الإنساني المعقّد، تعلو الحاجة إلى لغة جديدة تتجاوز الطوارئ. فالدور المنوط بالحكومة السودانية، ممثلةً في مجلسيها السيادي والوزاري، هو دور الشريك النشط، الذي يجب أن يتنسّق بشفافية ومسؤولية مع الأشقاء في مصر. التنسيق لتبسيط الإجراءات، وتخفيف التكاليف، ووضع حلول عملية لمن فقدوا أوراقهم، ومراقبة السلوكيات، كل ذلك في إطار شراكة تحمي الكرامة وتحفظ القانون.

لأن مصر والسودان ليسا جارين فقط، بل هما توأمان رضعا من نهر واحد، وتقاسما التاريخ فرحاً ومحنة. هذه اللحظة العصيبة، رغم قسوتها، هي اختبار لهذا العمق. اختبار للقدرة على تحويل محنة اللجوء إلى فرصة للتضامن الحقيقي، الذي لا يقتصر على الاستقبال الكريم فحسب، بل يمتد إلى بناء جسور للحلول، تضمن أن تبقى الكرامة عنواناً لكل سوداني اضطر إلى أن يحمل وطنه في قلبه، ويبحث عنه على ضفاف النيل الشمالي.

فليكن ردنا على نار الحرب هو مزيد من الإنسانية. وليكن خروج الناس من ديارهم بحثاً عن الحياة، سبباً لتعميق الحياة بين الشعبين، لا سبباً للشقاق أو التجريح. فالعبرة ليست في الحجارة التي تُلقى، بل في الجسور التي تُبنى فوق النهر الواصل بين القلبتين.

https://www.facebook.com/share/p/14TXMPLPKpB

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى