محمد بابكر يكتب: فك الارتباط أم فك الارتباط بالعدالة؟ موظفوا الدولة في مواجهة قرارات المالية
محمد بابكر يكتب: فك الارتباط أم فك الارتباط بالعدالة؟ موظفوا الدولة في مواجهة قرارات المالية

محمد بابكر يكتب: فك الارتباط أم فك الارتباط بالعدالة؟ موظفوا الدولة في مواجهة قرارات المالية
في خطوة أثارت جدلا واسعا وقلقا بالغا في أوساط الخدمة المدنية السودانية يتردد حديث عن توجه وزارة المالية لفك الارتباط بين الهيكل الراتبي لأساتذة الجامعات والباحثين بالمراكز البحثية بالدولة بحكم تشابه شروط الخدمة والترقي.
هذا التوجه إن صح لا يمثل مجرد تغيير إداري بل يهدد بنسف مبدأ المساواة والعدالة الوظيفية الذي رسخته قرارات متعاقبة على مدى عقود ويطرح تساؤلات عميقة حول أولويات الدولة في تقدير كوادرها.
لعقود طويلة استقر العرف الإداري والقانوني في السودان على ربط الباحثين بالمراكز البحثية تعيينهم وترقيتهم بهيكل ورواتب أساتذة الجامعات. هذه المساواة لم تكن منّة أو صدفة بل جاءت نتيجة لقرارات مدروسة من مجالس وزراء في حقب مختلفة (منذ عهد نميري، مرورا بعام 1990 وتأكيدا في 2016 و2021) إدراكا من الدولة لأهمية الحفاظ على التوازن والعدالة بين موظفيها الذين يؤدون مهاما متقاربة في الأهمية والمستوى.
عندما صدر القرار رقم (2022/90) بتعديل الهيكل الراتبي لأساتذة الجامعات في عام 2022 كان الأمل يحدو الباحثين بأن يشملهم هذا التعديل تلقائيا استنادا إلى الحقوق المكتسبة والتاريخ المشترك ولكن بعد مطالبات طويلة وتشكيل لجان جاء الفرج منقوصا ومشروطا.
تفيد الأنباء المتداولة بأن وزارة المالية في معرض استجابتها لتطبيق الزيادات اشترطت (فك الارتباط) بهيكل أساتذة الجامعات.
هذا الشرط يبدو من وجهة نظر الباحثين مجحفا وغير منطقي.
فهو يضعهم أمام خيارين أحلاهما مر إما القبول بزيادة مؤقتة مع التنازل عن حق تاريخي يضمن لهم المساواة على المدى الطويل أو رفض الشرط والاستمرار في دوامة المطالبات التي لا تنتهي.
هذا التوجه يعكس أزمة أعمق في السياسات المالية للدولة.
فبدلا من البحث عن موارد حقيقية وتوسيع المظلة الإيرادية لتحقيق العدالة الشاملة يبدو أن الحل الأسهل لدى الوزارة هو التحلل من الالتزامات القائمة. تكررت هذه السياسة مع قطاعات أخرى مثل المعلمين الذين استنكروا زيادات اقتصرت على قطاعات دون أخرى مما يعزز الشعور بغياب المساواة بين العاملين في الدولة.
تأتي هذه الأزمة في وقت يعاني فيه أساتذة الجامعات أنفسهم من عدم تنفيذ هيكلهم الراتبي بشكل كامل.
فبالرغم من إقراره لم تدرجه وزارة المالية في موازنة 2026 مما دفع لجنة الأساتذة للتهديد بإضراب مفتوح.
كما أن قرارات سابقة بتخفيض بدلات مثل بدل الوجبة قد فاقمت من معاناة العاملين الذين يعيشون أصلا تحت وطأة ظروف اقتصادية قاسية.
إن الوضع الحالي حيث لا تصرف المرتبات بانتظام أو تصرف منقوصة وحيث تقابل المطالب المشروعة بشروط تهدف إلى تقويض الحقوق المكتسبة ينذر بانهيار وشيك في الخدمات الأساسية التي تقدمها هذه الكوادر الحيوية للدولة.
إن قرار وزارة المالية سواء كان رسميا أو مجرد توجه هو مؤشر خطير على تآكل مبدأ العدالة الوظيفية إن المجموعات المتضررة لا تطالب بامتيازات استثنائية بل بتطبيق قوانين وقرارات سابقة كفلت لهم المساواة.
على صانع القرار من مجلس الوزراء إلى وزارة المالية أن يدرك أن الاستثمار في الكوادر البشرية وتقديرها ليس ترفا بل هو أساس استقرار الدولة ونهضتها.
لا يمكن بناء وطن عزيز وشامخ على أنقاض حقوق موظفيه.
والحل لا يكمن في (فك الارتباط) بين الباحثين بالمراكز البحثية) وحقوقهم بل في ربط السياسات المالية بأهداف العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.



