آراء ومقالات

الخرطوم.. تروي حكايات جديدة بعد الحرب (1)

الخرطوم.. تروي حكايات جديدة بعد الحرب (1)

الخرطوم.. تروي حكايات جديدة بعد الحرب (1)

منازل نمر

الخرطوم رحلة في قلب مدينة اختارت الحياة، لم تكن الرحلة إلى الخرطوم سهلة على القلب.
لم نحمل معنا دفاتر فقط،حملنا ذاكرة مثقلة بصور الخوف.
وأسئلة لا تنتهي:
هل عادت المدينة فعلًا؟
أم أننا نكتب عن حلم نريد أن نصدّقه؟
لكن الخرطوم، كعادتها،لم تجب بالكلام…أجابت بالطريق.
منذ دخولنا الولاية،كان الإحساس بالأمن حاضرًا بلا صخب.والشرطة في كل الاتجاهات،ارتكازات ثابتة،دوريات تمر بانتظام،ليس استعراض قوة،
بل طمأنينة ممتدة تقول لك : هناك من يحرس هذا المكان.
تنقلنا بين الأحياء،دخلنا مناطق قيل عنها إنها كانت مغلقة على الخوف،فوجدناها مفتوحة على الحياة، الناس راجعه الي بيوتها بكل بثقة ومن غير خوف، البيوت تُفتح،والشوارع تتعلّم أسماء أصحابها من جديد.
في مؤسسات الدولة،لم نشاهد فوضى ما بعد الحرب،بل محاولة صادقة للترميم.

في مكاتب الجوازات،كان مشهدً مؤثرًا:مواطنون
يستعيدون أوراقهم،وكأنهم يستعيدون ذواتهم،
أنظمة تعمل،إجراءات واضحة،
وأمانة تشعرك أن الدولة،رغم الجراح،ما زالت واقفة.
هنا فهمت أن وزارة الداخلية لا تحرس المدن فقط، بل تحرس فكرة الدولة نفسها.

في المستشفيات،كانت الحياة تُدار بصبر، مراكز صحية عادت،أجهزة تعمل،ووجوه أطباء وممرضين تقول إن هذا الوطن لم يُترك وحده.
حتى بنك الدم،كان شاهدًا على أن إنقاذ الحياة أصبح أولوية لا شعارًا.

أما المطار الخرطوم : فكان قصة وحده.
مكان شهد الرصاص والدم،يحاول الآن أن يكون بوابة أمل.
صالة تُفتح،أرض تُنظف،وذاكرة ثقيلة تُحترم لا تُنسى.
هناك، شعرت أن الدولة تعرف جيدًا ثمن العودة،وتدفعه بصمت.وفي قلب كل هذا،كانت الولاية تُدار بعقل مسؤول.
ليس كل شيء مكتملًا،لكن هناك ترتيب،خطة
وشعور بأن من يدير المكان يعرف أن عودة المواطنهي الامتحان الحقيقي.

ثم جاء يوم الاستقلال:
الخرطوم لم تحتفل بصوت عالٍ، بل احتفلت بثبات.أعلام تُرفع،ذاكرة تُستدعى،ورسالة غير مكتوبة تقول:
هذا الوطن مرّ بالأسوأ… وما زال هنا.

مشيت في شارع الحرية.
كمن يمشي فوق جرح قديم لا يريد إيلامه.
الشارع لم يكن كما كان،لكنه لم يكن مكسورًا.
محالات تفتح،ناس تعبر،وصمت جميل يشبه التأمل.هناك، شعرت أن الخرطوم
لا تطلب منا الكثير…
تطلب فقط أن نعود.
هذه الرحلةلم تكن مجرد تغطية، كانت شهادة أن الخرطوم مدينة جريحة لكنها أمينة،مُتعبة لكنها واقفة،وتُدار اليوم بروح دولة
تعرف أن الأمن، والخدمة، والكرامة هي طريق العودة.ولهذا…
هذه ليست نهاية الحكاية.هذه بدايتها، عودوا إلى الخرطوم، فالشرطة تحرسها،والولاية تسندها،والشوارع تنتظر خطوات أهلها.
عودوا…فالمدينة،رغم كل ما مرّ بها،ما زالت تعرف كيف تكون وطنًا.

تحياتي…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى