محمد بابكر يكتب: إشادة مستحقة لجهاز المخابرات السوداني في حماية تاريخ الأمة
محمد بابكر يكتب: إشادة مستحقة لجهاز المخابرات السوداني في حماية تاريخ الأمة

محمد بابكر يكتب: إشادة مستحقة لجهاز المخابرات السوداني في حماية تاريخ الأمة
الموكب نيوز :
في خطوة مهمة أعلن السودان عن استعادة 570 قطعة أثرية كانت قد نهبت خلال الحرب الحالية.
وقد جاء هذا الإنجاز نتيجة للتعاون بين الحكومة السودانية والشرطة الدولية (الإنتربول) ومنظمة اليونسكو منذ أبريل 2025.
وأعلنت وزارة الثقافة والإعلام عن تفاصيل هذه العملية في احتفالية رسمية بمدينة بورتسودان اليوم حيث تغطي القطع المستردة فترات زمنية تمتد من عصور ما قبل التاريخ وحتى الآن.
في وقت تختبر فيه صلابة الدول وقدرة مؤسساتها برز جهاز المخابرات العامة السوداني كخط دفاعٍ حاسمٍ ليس فقط عن أمن الوطن الجغرافي بل وعن عمقه التاريخي وهويته الحضارية.
إن الإشادة الواسعة التي حظي بها جهاز المخابرات العامة عقب نجاحه في استعادة هذه القطع الأثرية لم تكن مجرد تقدير لعملية أمنية ناجحة بل هي شهادة مستحقة لدور استراتيجي عميق في “معركة الذاكرة” التي تخوضها البلاد.
لم تكن استعادة هذه الكنوز الوطنية مجرد صدفة أو عملية ضبط عابرة. لقد كانت كما وصفها نائب المدير العام لجهاز المخابرات العامة الفريق عباس بخيت “معركة حقيقية”. هذا الوصف يكشف عن طبيعة الدور الذي لعبه جهاز المخابرات العامة والذي تجاوز المفهوم التقليدي للعمل الأمني ليشمل أبعاداً استخباراتية معقدة. فقد أثبت جهاز المخابرات قدرته على اختراق ورصد شبكات إجرامية دولية تستغل حالة الحرب لنهب تاريخ السودان وهو ما يتطلب عملاً استخباراتياً دؤوباً لجمع المعلومات وتحليلها وتحديد هوية المتورطين ومسارات تحركاتهم.
إن تأكيد الفريق بخيت على أن جهاز المخابرات يمتلك القدرة على متابعة جميع محاولات تهريب القطع الأثرية داخليا وخارجياً هو رسالة ردع قوية. كما أن التصريح بأن “الاعتداء على الآثار لا يقل خطورة عن الاعتداء على الأراضي الوطنية” يوضح أن جهاز المخابرات العامة لا يتعامل مع تهريب الآثار كجريمة جنائية عادية بل كعمل عدائي يستهدف سيادة الدولة وذاكرتها الجماعية.
يأتي هذا الإنجاز في سياق أزمة كبرى حيث تعرض التراث الثقافي السوداني خاصة في المتاحف الكبرى لعمليات نهب وتدمير واسعة خلال الحرب الصهيونية على شعب السودان في أبريل 2023 تعرض المتحف القومي بالخرطوم لنهب شبه كامل لمحتوياته أثناء سيطرة مليشيا قوات الدعم السريع عليه ولم ينج من النهب سوى قطعة أثرية واحدة. كما استهدفت عمليات النهب متاحف القصر الرئاسي وبيت الخليفة بأم درمان ومتحف السلطان علي دينار في الفاشر. ولمواجهة هذه الأزمة لجأ السودان إلى منظمة اليونسكو والإنتربول للمساعدة في تتبع واسترجاع القطع المنهوبة.
إن قضية نهب الآثار السودانية ليست وليدة اليوم بل تعود إلى فترات تاريخية سابقة أبرزها فترة الاستعمار التركي (1821-1885) والحكم الإنجليزي المصري (1898-1956). ويعد الطبيب الإيطالي جوزيبي فرليني من أشهر الأمثلة حيث قام في عام 1833 بتدمير أهرامات مروية بالديناميت بحثا عن الكنوز ونهب كنوز الملكة أماني شاخيتي الذهبية والتي تتوزع اليوم بين متاحف برلين وميونيخ. ونتيجة لهذا التاريخ الطويل من النهب توجد اليوم آلاف القطع الأثرية السودانية في متاحف عالمية كبرى.
إن نجاح جهاز المخابرات العامة في هذه المهمة الدقيقة هو شهادة حية على كفاءة واحترافية إحدى أهم المؤسسات السيادية في البلاد. هذا الإنجاز لا يعزز ثقة المواطنين في مؤسساتهم الأمنية فحسب بل يبعث برسالة إلى العالم بأن السودان بعين أجهزته الساهرة قادر على حماية إرثه الإنساني العظيم.
إن الإشادة بدور “صقور الذاكرة” في جهاز المخابرات هي تقدير مستحق لجنود مجهولين يخوضون معاركهم لحفظ تاريخ الأمة حيا ومنيعاً ضد كل محاولات الطمس والسرقة.



