الاستاذ أحمد إسماعيل المفتي يكتب : (مس الصباح)

(همس الصباح.).
………….
في الصباح، قبل
أن يكتمل ضوء النهار، تحدث أشياء لا تُرى بوضوح لكنها تُحَسّ بعمق. لحظة الانتقال بين السكون والحركة تحمل نبرة خاصة، كأن الحياة تهمس بدل أن تتكلم. في هذا الهدوء الأول، يكون القلب أكثر قابلية للفهم، وأكثر استعداداً لتلقي اليوم دون مقاومة. لا حاجة لقرارات كبيرة، يكفي أن يبدأ الإحساس بالسلام من الداخل، بهدوء يشبه تنفّساً مطمئناً.
التفاصيل الصغيرة في هذا الوقت تبدو أكثر صدقاً. صوت خفيف، ضوء ناعم، أو إحساس بالدفء يتسلل دون استئذان. هذه التفاصيل لا تغيّر مجرى اليوم، لكنها تغيّر زاوية النظر إليه. حين نمنحها انتباهاً صادقاً، نشعر بأن الحياة لا تطلب منا سوى أن نكون حاضرين، وأن نلاحظ جمالها البسيط الذي يمر غالباً دون ضجيج.
وفي لحظات الصمت الصباحي، تتراجع فوضى الأفكار، ويظهر ما هو أكثر نقاءً. الصمت هنا ليس فراغاً، بل مساحة آمنة تستقر فيها المشاعر، وتنتظم فيها الفكرة بعد أخرى. هو فرصة نادرة لإعادة ترتيب الداخل قبل أن تتكاثر الأصوات، ولإدراك أن الطمأنينة ليست هروباً من الواقع، بل استعداداً هادئاً لمواجهته بتوازن.
القوة الداخلية تولد في هذا الهدوء، لا كاندفاع، بل كرسوخ. هي شعور خافت بالقدرة على الاستمرار دون ثقل، وعلى تقبّل اليوم كما يأتي دون قلق مسبق. قوة تشبه النور الأول؛ لا يسطع فجأة، لكنه يملأ المكان بثبات، ويعلن أن في الداخل ما يكفي من الصبر والمرونة.
ومع هذا الإحساس، يتسلل الأمل بلا وعد صريح، لكنه حاضر بثقة. أمل يقول إن البداية الهادئة قادرة على تغيير إيقاع اليوم كله، وإن التفاؤل ليس تجاهلاً لما هو صعب، بل اختيار واعٍ للنظر إلى الحياة بعين أكثر رحمة. حين يبدأ القلب يومه بسلام، يصبح التوازن النفسي نتيجة طبيعية، ويغدو تقدير الحياة فعلاً بسيطاً ومتجدداً، يبدأ من الداخل… ويستمر…
صباح الخير.
صباح البدايات الجميلة.



