آراء ومقالات

الاستاذ أحمد إسماعيل المفتي يكتب : الغربة!!!!

(الغربة)
الغربة ليست فقط أن تبتعد عن وطنٍ رسمت طرقاته ملامحك، بل أن تبتعد عن نفسك وأنت ما زلت تمشي على قدميك. هي أن تصحو كل صباح وأنت تبحث عن شيءٍ لا اسم له، تشعر بنقصٍ غامض، كأن قلبك ترك جزءًا منه خلفه ولم يخبرك كيف تعيده.
في الغربة، تتعلم أن تبتسم كثيرًا كي لا يلاحظ أحد تشققات روحك. تتقن فن الصمت، لأن الكلام هنا لا يشبه لغتك، وحتى إن تشابهت الحروف، فإن المعاني تمشي بقدمٍ عرجاء. تصبح الذكريات وطنًا مؤقتًا، نلوذ به حين يشتد علينا البرد الداخلي، وحين يفيض الحنين أكثر مما تحتمله أضلاعنا.
الغربة أن ترى الوجوه ولا ترى الدفء، أن تسمع الضحكات ولا تسمع نفسك فيها. أن تمر عليك المناسبات وكأنها أيام عادية، بلا نكهة، بلا طقوس، بلا أمٍ تسأل إن كنت قد أكلت جيدًا، أو أبٍ يوصيك بالصبر. في الغربة، تكبر فجأة، لا لأنك تريد، بل لأن لا أحد سيفعل ذلك عنك.
أقسى ما في الغربة أنها تُربِّي فيك قوتين متناقضتين: قوة الاعتماد على النفس، وهشاشة الاشتياق. تصبح قويًا أمام الناس، ضعيفًا حين تخلو بنفسك. تنهار في الليل، وتعيد بناء نفسك مع أول ضوء، كأنك مشروعٌ لا يكتمل، وكأنك تؤجل وجعك إلى إشعارٍ آخر.
في الغربة لا نشتاق للأماكن فقط، بل تشتاق لنسختك القديمة؛ تلك التي كانت تضحك بلا حذر، وتحزن بلا خوف، وتحب بلا حساب. نشتاق لرائحة القهوة في الصباح، لأحاديث المساء الطويلة التي لم نكن نعرف قيمتها إلا بعد أن صارت ذكرى.
الغربة تُعلِّمك أن بعض القلوب أوطان، وأن بعض الأوطان قلوب. وتُدرك متأخرًا أن الرجوع ليس دائمًا رجوعًا للمكان، بل رجوعٌ للطمأنينة التي فقدتها في منتصف الطريق. وربما أقسى الأسئلة التي تطرحها الغربة عليك: هل أنت من رحل، أم أن الوطن هو من تغيّر؟
ومع ذلك، ورغم كل هذا الثقل، تظل في الغربة بذرة أمل صغيرة. أملٌ بأن يكون هذا التعب طريقًا لشيءٍ أجمل، وأن يكون هذا البعد جسرًا لا هاوية. نتعلم أن نصبر، لا لأن الصبر سهل، بل لأن لا خيار آخر. ونؤمن – رغم كل شيء – أن القلوب التي عرفت الغربة، تعرف جيدًا معنى الرجوع… ولو بعد حين.ومؤلم أكثر أن تكون غريبا في وطنك وبين اهلك.
صباح الخير.
صباح السكينة والطمأنينة.
صباح الرجوع من اي نوع من انواع الغربة…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى