
هيثم التهامي :
قد كان مهرُ العودةِ غالياً
الموكب نيوز : منازل نمر
الخرطوم، العاصمة، جميلةٌ كما كانت دائماً. عودتها تمثل قطعاً لدابر الظلم، وسقوطاً مدوّياً، وانكشافاً واضحاً لمقاصد التجزئة، والعجز عن ممارسة الحكم من حيث يجب أن يُمارس: في قلب الوطن، وفي مركز رمزيته السياسية والتاريخية.
إن الوصول المبارك إلى الخرطوم يشكّل فاصلةً مرحلية بين المؤقت والمستدام، وإيذاناً بالاستواء على جادّة السلام، وبداية مرحلة جديدة من تجدد الحياة، بعدما أذن الله تعالى أن تبتلع الخرطوم طغيان الجنجويد، وتسقط أوهامهم بالاستحواذ على الأرض والممتلكات، وما تأمّلوه من وراثةٍ واستيطانٍ لديار الناس الذين أُخرجوا منها بغير حق.
أولئك الذين ملأوا الفضاءات ضجيجاً وافتراءً، وادّعوا ملاحقة رئيس مجلس السيادة حتى بورتسودان، وصرّح متمردوهم بأن الخرطوم ستكون عاصمةً لحكومة “تأسيس”، وعيّنوا لها والياً من خيالهم، لم يكونوا سوى حكاياتٍ بالغة المفارقة بين الوهم والواقع.
إن العودة إلى مقرن النيلين، حيث تلتقي الحكمة بالتاريخ، والعقل بالتجربة، لم تكن مجرد انتقالٍ مكاني، بل إعلاناً صريحاً بسقوط المعادلات الزائفة، وتثبيتاً لحقيقة أن الخرطوم نجت من أيدي الظالمين، رغم ما أصابها من جراح، وخلعٍ للأسقف والأبواب، لكنها سُلِّمت لأهلها الحقيقيين، الذين يعرفونها وتعرفهم، ويحبونها وتحبهم.
تطهّرت الخرطوم من رجس الغرباء المعتدين الذين آذوها، وأطالوا ليلها ظلماً، وتلذذوا بعذابها. نعم، قد كان مهر العودة غالياً. افتدتها القوات المسلحة السودانية، ومن التحق بركبها، بشجاعة نادرة وبسالةٍ مشهودة وإخلاصٍ عجيب، دافعوا عن مقار الجيش ورئاساته، التي كانت آخر أهداف المتمردين قبل إعلانهم الوهمي للسيطرة على السودان.
ثم تدفقت أرتال الشباب إلى ميادين القتال، فكسروا وهم القوة، وأحبطوا نشوة الانتصار الزائف، وأجبروا الجنجويد على التراجع والانكماش، حتى لحظة الهزيمة والهروب الكبير عبر خزان جبل الأولياء، في مشهدٍ سيبقى شاهداً على اندحار الطغيان، حيث فرّت آلاف السيارات محمّلةً بفلول الهزيمة، تطلب النجاة، مثقلةً بإثم الخراب.
يومها لفظت الخرطوم الخبث والخبائث، وتنفسّت الحرية الحقيقية، لا حرية الشعارات المزيّفة ولا نسخ العملاء الذين اجتازوا القيم وزوّروا الحقائق. وقدّمت الخرطوم قوافل من الشهداء، أغلبهم من الشباب، وضربت أروع الأمثلة في إدارة قتال المدن، رغم الفوارق الكبيرة في العدد والعتاد والإمداد، وعلى مدى ما يقارب عامين من الصبر والتحمل والصمود.
لقد شرفت القوات المسلحة شعبها، ولم تخذله، ولم تسلّمه لعدوه، بل واجهت المعتدي بما يستحق، وطاردته حتى معاقل حواضنه، وما تزال تلاحقه حتى يهلك أو يستسلم استسلام المنهزم الذليل.
الخرطوم عادت… عادت بذات روعتها، تنهض من وعثاء المعاناة، وتنفض عنها غبار السنوات العجاف. نحمد الله على السلامة. ففيها أرواح الشهداء ترفرف مع أجنحة الصبح، وتنساب مع غرس الأماسي، وتخفق مع نسيم النيلين، وتبرق مع كل نجمة في سمائها.
ستبقى الخرطوم ما بقيت ملامحها وأحياؤها القديمة، ممراتها وأزقتها، حواريها واحيشانها، وما بقيت جزيرة توتي. واليوم، تعود الخرطوم حكومةً للسودان بكل رمزية المكان، ودلالة الاسم، ووضوح المعنى.
أما بورتسودان، فستظل ديوان الشرق المضياف، والمثابة الآمنة، والأصل الكريم، التي احتضنت الجميع في زمن الشدة، فالله درّهم أهل الشرق.



