ضُل الغيمة تبعية ديوان الزكاة بين مطرقة السياسة وسندان الفقراء
ضُل الغيمة تبعية ديوان الزكاة بين مطرقة السياسة وسندان الفقراء

ضُل الغيمة
تبعية ديوان الزكاة بين مطرقة السياسة وسندان الفقراء
كتب : الفاتح بهلول
في الوقت الذي تُقدِّم فيه قواتنا المسلحة وأبطال جهاز المخابرات العامة والقوة المشتركة والمستنفرون أرواحهم ودماءهم رخيصة ليحيا الوطن ؟ تطفو على السطح صراعات أصحاب الامتيازات والسعي المحموم للهيمنة على مفاصل الدولة ولم تكد تنتهي جدلية كبري الحلفاية حتى برز إلى الواجهة ملف جديد يثير كثيرًا من التساؤلات والقلق ، و بحسب مصادر مُطلعة أقدم الأمين العام لديوان الزكاة المنهية ولايته أحمد إبراهيم مُقدم على خطوة مثيرة للجدل بالشروع في نقل تبعية ديوان الزكاة إلى وزارة مجلس الوزراء السوداني بدلًا من وزارة الضمان والتنمية الاجتماعية السودانية، والتي تتولى الإشراف على الصندوق القومي للمعاشات، وديوان الزكاة، والمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، والمجلس القومي للسكان، ومفوضية العون الإنساني التي تم إنهاء تبعيتها سابقاً بقرار غير مدروس .
هذه الخطوة التي تبدو في ظاهرها إجراءً إداري ، تحمل في باطنها أبعادًا أكثر تعقيدًا، ففصل ديوان الزكاة عن الوزارة المختصة بالحماية الاجتماعية يهدد بتفكيك المنظومة التي تربط بين موارد الدعم و احتياجات الفئات الأكثر ضعفاً فالوزارة تمثل المظلة الطبيعية لبرامج الرعاية الاجتماعية، و نقل الديوان منها لا يعني تحسين الأداء بقدر ما قد يعني تجفيف الاختصاصات وتضارب الصلاحيات، بل وربما تعقيد إجراءات قضاء حوائج الشرائح المستفيدة. وهنا تبرز تساؤلات مشروعة:
هل تمثل هذه الخطوة محاولة لتمديد النفوذ الإداري وتجديد البقاء في المنصب لمن بلغ سن المعاش وزيادة؟
أم أن هناك توجهًا داخل مجلس الوزراء لصناعة مواعين إيرادية جديدة، حتى وإن كان الثمن خصمًا من حصة الفقراء و المساكين؟
وهل ثمة صراع خفي بين الوزير المختص والأمين العام المنتهية ولايته؟
وأين يقف المجلس السيادي من هذه الأطماع و الحفر الذي يمس صميم العدالة الاجتماعية ؟ .
إن تبعية ديوان الزكاة لوزارة مجلس الوزراء تعني عمليًا إضعاف وزارة الضمان والتنمية الاجتماعية، وهي الجهة التي يُفترض أن تقود سياسات الحماية الاجتماعية في البلاد في الوقت الذي يتجول فيه الوزير متفقدًا أحوال البسطاء من أقصى الشمال إلى الوسط وغرب البلاد، تبدو هذه الخطوة وكأنها سحب للصلاحيات من مؤسسة يُفترض دعمها لا تقزيمها.
الزكاة ليست موردًا ماليًا عاديًا، بل ركنًا من أركان التكافل الاجتماعي، ووسيلة لإعادة توزيع الثروة بما يحفظ كرامة الإنسان ويصون كرامته و يحقق استقراراً للمجتمع. فإن وأي عبث بمسارها المؤسسي يفتح الباب أمام تسييسها أو تحويلها إلى أداة في ظل صراع النفوذ وهو أمر تتجاوز خطورته حدود الإدارة إلى عمق العقد الاجتماعي ذاته.
إن المرحلة الراهنة تتطلب تدخلًا عاجلًا من رئيس الوزراء ورئيس المجلس السيادي لوضع حد لهذا ” الطبيظ “، وإعادة الأمور إلى نصابها المؤسسي الصحيح، بما يضمن استقلالية القرار الاجتماعي ووضوح المسؤوليات. لأن الدول لا تُقاس بقوة مؤسساتها الأمنية وحدها، بل بقدرتها على حماية أضعف مواطنيها. وعندما تتحول موارد الفقراء إلى ساحة صراع، فإن الخطر لا يهدد مؤسسة بعينها، بل يهدد المعنى الإنساني للدولة نفسها. فالسلطة زائلة، والمناصب عابرة، أما أثر القرار في حياة المحتاجين فيبقى شاهدًا على ضمير أمة، إما أن يكون حيًا فينحاز للعدالة، أو غائبًا فيترك الفقراء وحدهم في مواجهة العوز ..
تحياتي



